الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

211

نفحات الولاية

ويطلق « المستضعف » في القرآن والروايات الإسلاميّة على معنيين : الأوّل : الأفراد الذين يعانون من الضيق في الحياة الماديّة كما ورد في الآية 5 من سورة القصص : « وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ » . هذه الآية إشارة إلى قصة بني إسرائيل والفراعنة وتشير إلى أصل كلّي في باب المستضعفين . الثاني : الأفراد الذين يعانون من الضيق من الناحية الدينيّة ولا يستطيعون الهجرة من مناطقهم وقد قال القرآن الكريم فيهم : « وَمَا لَكُمْ لَاتُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيراً » « 1 » . فهذه الآية تتحدّث عن مسلمي مكة الذين تعذرت عليهم الهجرة وضيّق عليهم المشركون في أداء مناسكهم الدينيّة بحرية وقد شجع القرآن مسلمي المدينة على إنقاذهم من مخالب المشركين وأطلق عليهم اسم الاستضعاف . ولهذه المفردة معنى ثالث في الروايات حيث يراد بها الشخص العاجز عن تحري الحقّ ومعرفته ؛ سواء بسبب الضعف الفكري أو بعده عن مصادر التحقيق . ففي الخبر سئل الإمام الباقر عليه السلام عن المستضعف فقال : « هُو الَّذي لا يَهْتَدى حيلَةً إلَى الْكُفْرِ فَيَكْفُرُ ولا يَهْتَدى سَبيلًا إلى الإيمانِ ، لا يَسْتَطيعُ أنْ يُؤْمِنَ ولا يَسْتَطيعُ أَنْ يَكْفُرَ » « 2 » . ومراد الإمام عليه السلام في الخطبة هو المعنى الثالث . وسنقدم شرحاً وافياً في بحث التأملات بشأن حقيقة الهجرة . ثم أشار عليه السلام إلى الأمر الثاني فقال : « انَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ « 3 » ، لَايَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ

--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 75 . ( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 404 ، باب المستضعف ، ح 1 . ( 3 ) . « مستعصب » من مادة « صعب » بمعنى المشكل وصعوبة فهم الشيء ومجيىء المفردتين صعب ومستصعب‌مع بعضهما ، للتأكيد .